ابن كثير
297
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الكاتبين اليهود والنصارى ، لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته ، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده ، وهم لا يفعلون شيئا من ذلك ، فكيف يكونون مقتدين بالخليل وهم لا يفعلون ما شرع اللّه له ؟ وقد حج البيت موسى بن عمران وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 4 ] . وتقدير الكلام إذا وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ أي تقدمنا بوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ أي طهراه من الشرك والريب ، وابنياه خالصا للّه معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود ، وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية الكريمة ، ومن قوله تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [ النور : 36 ] ومن السنة من أحاديث كثيرة من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك . ولهذا قال عليه السلام « إنما بنيت المساجد لما بنيت له » وقد جمعت في ذلك جزاء على حدة ، وللّه الحمد والمنة . وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة ، فقيل : الملائكة قبل آدم ، روي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين ، ذكره القرطبي « 1 » وحكى لفظه ، وفيه غرابة ، وقيل : آدم عليه السلام ، رواه عبد الرزاق عن ابن جريج ، عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم : أن آدم بناه من خمسة أجبل : من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي ، وهذا غريب أيضا . وروي عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه : أن أول من بناه شيث عليه السلام ، وغالب من يذكر هذه إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب ، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها ، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين . وقوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قال الإمام أبو جعفر بن جرير « 2 » : أخبرنا ابن بشار قال : أخبرنا عبد الرحمن بن مهدي ، أخبرنا سفيان عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد اللّه ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن إبراهيم حرم بيت اللّه وأمنه ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يصاد صيدها ولا يقطع عضاهها » « 3 » وهكذا رواه النسائي عن محمد بن بشار ، عن بندار به ، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو بن الناقد كلاهما عن أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري . وقال ابن جرير « 4 » أيضا : أخبرنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا : حدثنا ابن إدريس ،
--> ( 1 ) تفسير القرطبي 2 / 120 والذي ذكره القرطبي هو رواية عن جعفر الصادق ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 591 . ( 3 ) اللابة : هي الأرض ذات الحجارة السود . والعضاه : شجر عظيم له شوك . ( 4 ) تفسير الطبري 1 / 591 .